أحمد بن علي الرفاعي الكبير
82
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى
أي بني ! اذكر اللّه تعالى ، واعلم أن اللّه تعالى أعلى درجة الذكر ، وعظم رتبته ، ورفع شأنه ، وشرفه وفضله ، ثم قسمه على اللسان ، والأركان ، والجنان ، فينبغي أن يكون الذاكر على حذر أن يلتفت إلى الذكر ، ويكون شريف الهمة والإرادة ، لطيف الفطنة في الإشارة ، صحيح النية والإرادة ، لا يريد بذكره غيره ، ولا يلتمس منه فراغه عنه إلى ما دونه ، لأن الوصول إلى الكل تحت الرضا به عن غيره ، والحرمان من الكل تحت الاشتغال بغيره . ويجب على الذاكر أن يذكره على غاية من التعظيم والحرمة ، لا على العادة والغفلة ، فيصير بذلك محجوبا عن المذكور ، عقوبة لترك التعظيم والحرمة ، لأن حفظ الحرمة في الذكر ، خير من الذكر . وما من عبد ذكره على التحقيق إلّا نسي في جنب ذكره ما سواه ، وكان اللّه له عوضا من كل شيء ، وربما يريد العارف أن يذكره ، فيهيج في سره أمواج التعظيم والهيبة ، فيكل لسانه ، ويطير فؤاده من إجلال الوحدانية ، ثم يبدو له شعاع الشوق والمحبة ، من حجب القلب والألفة ، فتنتهي همته إلى سرادقات الألوهية ، وميادين الربوبية بإذن اللّه . فحينئذ يكشف له عما ستر عن غيره ، من عجائب غيبه ، ولطائف صنعه ، وكمال قدرته ، وأنوار قدسه . فعند ذلك يعرف العبد ، أن اللّه تعالى يفعل ما يشاء ، بمن يشاء ، لمن يشاء ، متى يشاء ، كيف يشاء ، بيده المنّ ، والعطاء ، والإرادة . لا رادّ لفضله ، ولا معقّب لحكمه ، فيشغل به ، ويصير فانيا تحت بقائه . وهذا معنى ما روي في بعض الأخبار ، أن اللّه تعالى قال في بعض الكتب : من يذكرني ولا ينساني ، حركت قلبه لمحبتي ، حتى إذا تكلم تكلم لي وإذا سكت سكت لي . قال اللّه تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [ الرّعد : 28 ] . وقال يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى : الذكر أكبر من الجنة ، لأن الذكر نصيب اللّه ، والجنة نصيب العبد ، وفي الذكر رضاء اللّه ، وفي الجنة رضاء العبيد . وعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، قال : « إن اللّه تعالى يتجلّى للذاكرين عند الذكر ، وتلاوة القرآن ، ولا يرونه ، لأنه أعز من أن يرى ، وأظهر من أن يخفى ، فتفرّدوا باللّه سبحانه ، واستأنسوا بذكره ، وما نزلت بأحد نازلة إلّا وفي كتاب اللّه لها دليل ، من الهدى والبيان » .